في زاويةٍ شخصيةٍ من الذاكرة، أعود بالزمن إلى سنوات الدراسة خارج الوطن، حين كنا مجموعةً من الطلبة المبتعثين نذهب للإفطار في جامعٍ قريب، نجتمع فيه مع طلابٍ من دولٍ مختلفة، حول مائدةٍ بسيطة، رغم قدرتنا على الإفطار في أي مكانٍ آخر. لم يكن الدافع الحاجة، بل بحثاً عن ذلك الشعور العميق بالروحانية والانتماء، واستعادة معنى رمضان الحقيقي، ومن هنا يمكن فهم البعد الاجتماعي العميق لمبادرات الإفطار في دولة الإمارات، فهي لا تُقدم الطعام فحسب، بل تصنع مساحةً للسعادة والفرح، وتعكس عزيمة وطن.
جاء رمضان هذا العام مختلفاً، حيث حمل معه رسائلَ طمأنينةٍ عميقةً، أكدت أن هذا الوطن، مهما اشتدت عليه الظروف، يظل أرضَ الأمان. ففي وقتٍ تمر فيه المنطقةُ بتحدياتٍ استثنائيةٍ، بقيت الإمارات ثابتةَ الخطى، هادئة، تمضي بثقة. ومن قلب هذا الثبات، تجلى مشروعُ رمضان في جامع الشيخ زايد الكبير، لا كمبادرة موسمية، بل رسالة حية تقول إن الخير والعطاء لا يتوقفان.
هناك، حيث امتدت موائدُ الإفطار لتحتضن أكثر من 980 ألفاً من الصائمين من مختلف الجنسيات والأعراق، في أعلى رقمٍ يُسجَّل في تاريخ الجامع، أدرك الجميع أن الأمن في الدولة ليس إجراءً عابراً، بل إحساسٌ راسخ، وأن الاستقرار ليس حالةً مؤقتة، بل خيارُ دولةٍ ونهجُ مجتمع. ولم يكن استمرار هذا المشروع، بهذا الاتساع والحضور، رغم الظروف الطارئة التي ألمّت بالمنطقة، سوى انعكاسٍ لروحِ دولةٍ آمنت بأن الطمأنينةَ مسؤولية، وبأن العطاءَ موقف، وبأن الأوطانَ القوية هي تلك التي تحمي إنسانها، وتمضي بثقة، حتى في أصعب اللحظات.
وفي مشهدٍ إنساني شارك سمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، الصائمين الإفطار. كانت لحظةً بسيطةً في ظاهرها، عظيمةً في دلالاتها، تؤكد أن القيادة قريبةٌ من الناس، وتؤكد أن الإنسان في الإمارات سيبقى على قمة هرم الأولويات.
لقد أثبت مشروعُ رمضان أن الإمارات كانت، وما زالت، وستبقى، واحةً للأمن والأمان، وتجلى ذلك في سلوك الناس واختياراتهم. فآلافُ العائلات، من مختلف الجنسيات والخلفيات، لم ترَ في الظروف الطارئة سبباً للمغادرة، بل وجدت في هذا الوطن ما يكفي من الطمأنينة لتبقى، وتواصل حياتها بصورةٍ طبيعية، تمارس أعمالها، وتدير تفاصيلَ يومها بثقةٍ وهدوء.
ولا يمكن قراءة هذا المشهد دون العودة إلى الجذور التي انطلق منها، وهي رؤية المغفور له الوالد المؤسس، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي وضع الأساس بقوله الخالد: «الرزق رزق الله، والمال مال الله، والفضل فضل الله، والخلق خلق الله، والأرض أرض الله، واللي يجينا حياه الله». كلماتٌ لم تكن شعاراً، بل منهج حياةٍ سار على خطاه وطنٌ بأكمله، وشكّل سياسات الدولة وممارساتها اليومية، فالعطاء سمةً أصيلة، والجميع -مواطنين كانوا أو مقيمين- يشعرون أنهم أسرة واحدة.
وأنا أُصلي صلاةَ القيام، وفي صحن الجامع تحديداً، كنا في صفٍ واحدٍ، مصلين جاؤوا من شتى بقاعِ الأرض. ملامحُ ومشاربُ وثقافاتٌ متنوعة، جمعتها لحظةُ خشوعٍ واحدة، وقفنا في صفٍ واحد، تختلف أوطانُنا وتتقارب قلوبُنا، جمعتنا دولة الإمارات على دعاءٍ واحد، كما جمعتنا على معنى واحد. وحين ارتفع صوتُ الإمام بالدعاء: «اللهم احفظ الإمارات وقيادتَها وشعبَها، وارحم باني نهضتها»، ارتفعت معه أصواتُنا جميعاً بـ«آمين» واحدة، صادقة، نابعة من القلب، دعاءٌ تجاوز الكلمات، ليغدو تعبيراً جماعياً عن محبةٍ وإخلاصٍ لوطنٍ وحدَنا على نهجٍ واحد.
وبينما يغادر الناس ساحاتِ الجامع، تتكرر مشاهدُ مؤثرةٌ لا تخطئها العين، مصلون يتجهون إلى ضريحِ الشيخ زايد، وألسنةٌ تلهج بالدعاء، وقلوبٌ تفيض امتنانًا للوالد المؤسس، الذي غاب جسده، لكنه باقٍ حضوراً في كل يدٍ تمتد بالعطاء، وفي كل ابتسامةٍ يُستقبل بها ضيف، وفي كل صفٍ يُقام للصلاة، وفي كل معنى إنساني يتجدد على هذه الأرض الطيبة.
وأعادني المشهد بالزمان إلى ما حدث خلال زيارة الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، بان كي مون. فبينما كنا نسير في رحاب الجامع، نتحدث عن رسالته الداعية إلى التسامح والسلام، توقف الضيف فجأة، وقد استرعى انتباهه طائرٌ اتخذ إحدى قباب الممرات الخارجية سكناً له، مُبدياً إعجابه بذلك، فجاءه الجواب بسيطاً، لكنه يختزل فلسفة وطنٍ بأكمله: «إنها الإمارات.. حيث يعيش الجميع بسلام».
د. يوسف عبدالله العبيدلي*
*باحث إماراتي


